سيد محمد طنطاوي

362

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

النار ويدخل الجنة ، فلتدركه منيته وهو يؤمن باللَّه واليوم الآخر ، وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه » « 1 » . ثم ختم - الآية بقوله : * ( ومَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ ) * . والمتاع : هو ما يتمتع به الإنسان وينتفع به مما يباع ويشترى . والغرور - بضم الغين - مصدر غره أي خدعه وأطعمه بالباطل . أي : ليست هذه الحياة الدنيا التي نعيش فيها . ونستمتع بلذاتها ومنافعها ، إلا متاعا يستمتع به المغتر بها ، الذي لا يفكر في أي شيء سواها ، ثم يحاسب على ذلك حسابا عسيرا يوم القيامة ، أما الذي يأخذ من متاعها بالطريقة التي أمر اللَّه - تعالى - بها ، فإنه يكون من السعداء في دنياهم وآخرتهم . قال صاحب الكشاف : شبه - سبحانه - الدنيا بالمتاع الذي يدلس به على المستام ويغر حتى يشتريه ، ثم يتبين له فساده ورداءته والشيطان هو المدلس الغرور . وعن سعيد بن جبير : إنما هذا لمن آثرها على الآخرة ، فأما من طلب الآخرة بها فإنها متاع بلاغ » « 2 » . فالآية الكريمة ترغيب للمؤمنين في الطاعة ، وتحذير للعصاة من المعصية ، وتذكير للجميع بأن مرجعهم إلى اللَّه إن عاجلا أو آجلا ، وسيلقى كل إنسان جزاءه على عمله ، وأن السعادة الحقة لمن نال رضا اللَّه يوم يلقاه . ثم بين - سبحانه - للمؤمنين أنهم سيتعرضون في المستقبل للمحن والآلام كما تعرضوا لذلك في أيامهم الماضية ، وأن من الواجب عليهم أن يتقبلوا ذلك بعزيمة صادقة ، وصبر جميل فقال - تعالى - : * ( لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وأَنْفُسِكُمْ ، ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ ومِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً ) * . وقوله * ( لَتُبْلَوُنَّ ) * جواب قسم محذوف أي : واللَّه لتبلون أي لتختبرن . والمراد لتعاملن معاملة المختبر والممتحن ليظهر ما عندكم من الثبات على الحق ، ومن التمسك بمكارم الأخلاق ، فإن المصائب محك الرجال . وإنما أخبرهم - سبحانه - بما سيقع لهم من بلاء ، ليوطنوا أنفسهم على احتماله عند وقوعه ، وليستعدوا لتلقيه من غير فزع أو جزع ، فإن الشدة المتوقعة يسهل احتمالها ، أما الشدة التي تقع من غير توقع فإنها يصعب احتمالها .

--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 1 ص 435 . ( 2 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 345 .